ميرزا جواد آغا الملكي التبريزي
186
المراقبات ( أعمال السنة )
لأنّ الداعي إنّما يدعو ويحبّ إتيان مقصوده من جهة أنّه خيره وأنّ فيه سعادته ، دعاؤه للأمور الخاصّة من جهة اعتقاده فيها ذلك ، واللَّه تعالى إذا رأى أنّه جاهل في ذلك ، وأنّ خيره في خلافه ، فإجابته الواقعيّة إنّما هي بإعطاء ما هو خير له واقعا لا فيما يراه خيرا وفيه هلاكه ، وذلك معمول عند العقلاء فيما بينهم . أما ترى أنّك إذا تخيّلت مثلا السمّ الَّذي في الحقّة ترياقا والترياق الَّذي في الكأس سمّا ، وطلبت من أبيك ما في الحقّة لتشربه وتستشفي به وأبوك يعلم أنّه سمّ ، فإنّ إجابته لك أن يعطيك من الكأس الَّذي فيه الترياق وإن تعتقده سمّا ، ويمنعك عن السمّ الَّذي في الحقّة مع أنّك تطلبه منه ، فإن أعطاك من الحقّة مع علمه بأنّه سمّ وأنّه مهلك لك ، تقول : طلبت من أبي ترياقا وأعطاني سمّا . واللَّه تعالى يعرف بعلمه المحيط بجميع جزئيّات وخصوصيّات حالات عباده أنّ حال عبده الفلاني بحيث لو أعطاه مثلا ما يريده من المال كان مبعّدا له من رضا ربّه وقربه ، وهو لا يعلم ذلك فيطلبه من اللَّه تعالى فحقّ العناية أن تمنعه من ذلك المال ويبدله بالفقر الَّذي يفرّ منه ، لأنّ المسكين إنّما طلب المال لما تخيّل فيه بجهله السعادة نظير تخيّلك أنّ ما في الحقّة ترياق ، واللَّه تعالى يرى أنّ السعادة العظمى إنّما هي في الفقر ، وفي المال شقاوة وهلاك ، فإن أعطاه اللَّه المال مع علمه بأنّ فيه شقاوته ، وهو يطلبه بجهله بموضوع السعادة والشقاوة ، لا يعدّ هذا العطاء إجابة ، وإن أعطاه الفقر فهو إجابة في الحقيقة ، لأنّ الأوّل وإن وجد فيه صورة الإجابة ولكن روحها مفقود فيه ، وفي الثاني بالعكس ، وهذا الَّذي ذكرناه أخذناه من الأخبار بل في بعضها أنّه تعالى من جهة عنايته بعباده المؤمنين ربما